المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البريد والمجتمع « السمندل » !!


متابع
11-05-2009, 08:12 AM
د. حسناء عبدالعزيز القنيعـير

كنت وما زلت أعتقد أن كثيرا من مؤسسات القطاعين العام والخاص، تنظر إلى المجتمع السعودي بصفته بقرة حلوبا تدر ما يطلب منها من أموال مجبرة لا مخيرة؛ لأنه لا بديل لديه وليست هناك قوانين تلجم أولئك الذين يبتزونه، وهذه النظرة ليست مقصورة على الداخل، بل حتى في الخارج، فكثير من الخدمات التي تقدم للسياح والزائرين خصوصا في الدول الخليجية والعربية، تعطى للسعودي بثمن يزيد عما يُعطى للآخرين. وإن كان السائح السعودي لا يملك هنالك سوى أن يدفع بالتي هي أحسن (وإلا)، وأنه غادر إلى تلك البلدان بملء إرادته، وأن الأمر مؤقت سينتهي بنهاية الزيارة، فما عساه أن يفعل عندما يواجه في بلده بارتفاع أسعار ما يقدم له من خدمات تفوق أثمانها أثمان مثيلاتها في الدول المجاورة، كما لا تصل في مستواها النوعي إلى مستوى نظيراتها في دول العالم المتقدم، ذلك المستوى الذي يعتبره بعضهم - إن تحقق - مبررا كافيا لارتفاع سعر الخدمة. ويكفي مثالا على ذلك أسعار الهاتف الجوال، وتذاكر السفرعلى شركة الطيران الوحيدة، وأسعار المواد الغذائية والحلويات، ورسوم المدارس الخاصة، ورسوم الكشف في المستشفيات والعيادات، وأسعار الأدوية والكماليات، ناهيكم عن أسعار السيارات ومواد البناء والأراضي التي فاقت كل الحدود، والقائمة تطول، ولا أصدق أن تاجرا مهما كان نوع سلعته التي يتاجر بها، يمكن ألا تحقق له أرباحا أضعافا مضاعفة نظرا للمغالاة في الأسعار، وغياب الرقابة التي لا يجد معها المواطن من مفر سوى أن يدفع، أو يمتنع عن الشراء !

كنت قد تناولت في مقال الأسبوع الماضي الذي بعنوان (قرارات مجلس الشورى وتوصياته بين الواقع والمأمول) عددا من قرارات المجلس، ومنها إعادة مناقشة أجور صناديق البريد الخاصة بالأفراد والعائلات الذي طُرح في المجلس قبل عامين وُطلب آنذاك من المؤسسة العامة للبريد بعدم زيادة الأجور ! وحيث إني طرحت هذا الموضوع ضمن مواضيع أخرى، لم تسمح المساحة بمناقشة معظم جوانبه، لذا خصصت له مقال اليوم، لاسيما أنه لم تلح في الأفق مؤشرات تدل على عزم مؤسسة البريد الاستجابة لقرار المجلس ! وكانت الزيادة التي اقترحتها المؤسسة 300%100، إذ كانت 100 ريال سنويا للفرد، فأصبحت 300 ريال سنويا لصاحب الصندوق وعائلته ( من فرد واحد حتى عشرة أفراد ) كي يسمح بتلقي رسائلهم على الصندوق نفسه! وما زاد عن هذا العدد فلكل فرد خمسون ريالا !

أما السمندل الوارد في العنوان، فهو حيوان لا يحسن استخدام عينيه للرؤية لأنه اعتاد العيش في الكهوف المظلمة، ولهذا فالمجتمع حسب رئيس مؤسسة البريد مثل ذلك الحيوان ( جريدة الحياة 11 فبراير 2009 )؛ لأنهم لا يستفيدون من ثقافة العناوين البريدية التي هيأها لهم القائمون على البريد ! ولا ندري من هو السمندل؟ أليس هو الذي تغيب عنه ثقافة البريد كخدمة هي حق من حقوق المواطن وليست منة ولا وسيلة لابتزازه ؟ أليس هو الذي يربط الخدمة البريدية بعدد الأشخاص وليس بالصندوق نفسه ؟ فالرسوم ينبغي أن تستحصل على الصندوق وليس على عدد الأفراد الذين يتلقون الرسائل عليه !

ربما يجوز إطلاق هذا التشبيه على المجتمع عندما يتراخى عن المطالبة بحقوقه، ولا يبذل كل ما في وسعه للاحتجاج على هذه الزيادة المبالغ فيها، ناهيك عن أن خدمات البريد يجب أن تكون مجانية فيما يخص الصناديق؛ ذلك أنه لا يعقل أن يتقاضى البريد السعر على الرسالة مضاعفا مرة من المرسل خصوصا في الداخل، ومرة من المرسل إليه صاحب الصندوق، فهذا لا مثيل له في أي دولة من دول العالم ! فكثير منها لا تفرض رسوماً على صناديق البريد، والرسوم إنما يدفعها المرسِل بشرائه الطوابع البريدية، أما نحن فتؤخذ الرسوم مضاعفة بل ومبالغا فيها من كلا الطرفين المرسل والمرسل إليه.

إنه إذا كانت معظم المراسلات تحصل الآن بواسطة البريد الإلكتروني، مثل فواتير الخدمات والتعاملات البنكية وغيرها، فهل باقي المراسلات تستحق هذه الزيادة التي يُجبر عليها المواطن عن نفسه وعن أفراد عائلته ؟ ثم ما الميزة التي أضافها البريد لعملائه عندما فرض عليهم هذه الزيادة ؟ في العالم المتحضر عندما يزيد الإقبال على شراء الخدمة فإن المسؤول عنها يتفانى في إرضاء العميل فيقلل من رسومه طمعا في كسب مزيد من المشتركين !

إن الغرض من تخصيص الخدمات الحكومية يتمثل في تقديم تلك الخدمات بأعلى جودة وبأسعار منافسة، الأمر الذي سينعكس بإيجابية على مقدم الخدمة والمستهدف بها، ولهذا كان من المتوقع أنه عندما يُخصص البريد كليا أو جزئيا، فإن رسوم الاشتراك ستلغى تناغما مع مبادئ الخصخصة، لكن ما حدث كان انقلابا على ذلك المفهوم وبدلا من إلغاء الرسوم ضوعفت على المشتركين، وأما المنافسة فليس ثمة منافس إلا البريد السريع الذي كثرت شركاته التي تقدم الخدمة ذاتها على نحو أفضل وأرقى مما يقدمه البريد السعودي.

تشكل الخدمات البريدية في كل دول العالم عصب الاتصال بين الأفراد، وبينهم وبين الجهات الحكومية والرسمية العامة والخاصة في الداخل والخارج، فهل راعى القائمون على مؤسسة البريد هذا المفهوم عندما ضغطوا على المواطن، رفعا للسعر، وحجبا لرسائله أو إعادتها لمصدرها، وتنويعا للاشتراك من فردي إلى عائلي إلى تجاري !، وإجبارا على صناديق المنازل التي تحدث كثير من القراء والكتاب عن رداءتها، بينما يزعم القائمون على البريد أن السبب في تلفها العبث بها من قبل المراهقين والمخربين، وهذا غير صحيح فلماذا سلمت من العبث - إن كان ثمة من يعبث - صناديق الصحف التي لا يكاد يخلو منها سور منزل أو مدخل عمارة، لماذا تصمد هذه ولا تصمد تلك ؟

لقد أصبح لزاما على المواطن الذي يريد تجديد اشتراكه الذهاب للبريد مصطحبا دفتر العائلة ليشترك في البريد العائلي (حتى لو كانت عائلته فردا واحدا، زوجة أو ابن) وذلك كي يضمن وصول رسائل جميع أفراد عائلته عبر ذلك الصندوق ! إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: هل ثمة دول تفرق بين صندوق البريد الشخصي وصندوق البريد العائلي؟ أم هو اختراع تفرّد به بريدنا ؟ وما هي الآلية التي وضعها القائمون على البريد لفرز الرسائل، لمعرفة هل هي موجهة لصندوق فردي أم صندوق عائلي ؟ وما مقدار الوقت الذي يستغرقه ذلك ؟ وكم عدد الموظفين الذين سيُفرغون لهذه الغاية، غاية الفرز البريدي وتمييزه فيما إذا كان عائليا أم فرديا ؟ وكم سيصرف من الوقت والمال لإعادة الرسائل المتمردة التي أصرت على اختراق القوانين والتعليمات الصارمة ؟ أليس تطوير أداء موظفي البريد ورفع كفاءتهم أولى من تضييع أوقاتهم وهدرها فيما لا يجدي ؟ لكن يبدو أن موظفي البريد قد تمرسوا على هذه المهمة وأحسنوها، فلقد بتّ أعجب من الدقة التي صاروا يتمتعون بها، فبعد أن كانوا يلقون بالرسائل خبط عشواء داخل الصندوق فتجد رسائل لآخرين لا تمت أرقامهم بأدنى شبه لرقمك، صاروا الآن في غاية الدقة فلا يخطئون أبدا فيضعون رسالة للزوجة أو أحد الأبناء في صندوق الأب أو الزوج، بل يفحصون الرسائل فحصا جيدا، وكل رسالة تصل لأحد هؤلاء مصيرها صندوق المهملات أو حسبما يزعمون تعاد لمصدرها! إنه إن كانت تلك الرسائل من الرسائل التي تصل بصفة دورية كرسائل البنوك والخدمات وما شابهها، فإن صاحبها من أفراد العائلة لن يعجزه الاتصال بتلك الجهة ويحصل عليها بأي طريقة غير البريد، لكن ماذا عن الرسائل التي لا يعلم أنها أرسلت إليه، وقد تكون من جهات خارجية كالجامعات والمؤسسات العلمية أو التجارية، وربما حوى بعضها مستندات أو أوراقا مهمة أو دوريات ومجلات علمية، فمن سيعوض صاحبها الذي هو زوجة أو ابن أو ابنة صاحب الصندوق إن أعيدت تلك الرسائل لمصدرها أو فقدت في ردهات البريد؟ أليس من حق أولئك مقاضاة مؤسسة البريد؟ خصوصا أنها لم تُعلم المشتركين بعزمها على حجب رسائلهم؟

لقد اعتقدت مؤسسة البريد أنها مؤسسة خاصة وليست ما تزال جهة حكومية ينبغي لها خدمة المواطن أولا، ولهذا صارت تتعامل مع المواطن - الذي أنشئت تلك المؤسسة وما فيها من موظفين لخدمته – بكثير من الصرامة وأساليب العقاب، فتتصرف على نحو غير مهني لا ينم عن احترام مشتركيها، عندما تغلق الصناديق التي لم يجدد اشتراكها وتعيد رسائل المشتركين لمصدرها، وقد يتعرض بعضها للضياع أو الإهمال من قبل موظفي البريد، وكان المتبع سابقا إبقاء الرسائل داخل الصندوق وإغلاقه حتى يجدد الاشتراك.

أليس من حق الذين أرسلوا رسائل من الخارج ودفعوا قيمتها مقاضاة مؤسسة البريد أيضا، لأنها أعادت الرسائل التي أرسلوها لعناوين صحيحة، وكان من واجب المؤسسة إيصالها لأصحابها مادامت هي المسؤولة عن تقديم تلك الخدمة، وذلك بغض النظر عن سياستها تجاه مشتركيها، تخيلوا لو أن تلك الرسائل تتعلق بها حقوق أو أمور بالغة الأهمية؟ كيف يعمد البريد إلى تعطيلها، ومن الذي يعطيه هذا الحق، وهل كان بينه وبين المرسل عقد أو اتفاق بهذا الشأن كي يضرب بمصالح المرسل والمرسل إليه عرض الحائط، مستخفا بمصالحهما تحقيقا لرغبته في معاقبة من لم يستجب لتعليماته؟!

أوليس من حق المواطنين الاستمرار في المطالبة بتفعيل قرار مجلس الشورى، وبعدم إصرار مؤسسة البريد على تجاهل كل ما كتب في هذا الشأن، تحت ضغط احتكارها لهذه الخدمة وعدم وجود المنافس الذي يمنح المواطنين خيارات أخرى.

إن الرسوم المبالغ فيها التي لم يرض بها المشتركون، علاوة على تردي الخدمات المقدمة، مؤشر على أن تخصيص البريد غير ذي جدوى ولن يكتب له النجاح مادامت العقلية التي تديره لم تضع في حسبانها سوى زيادة الإيرادات على حساب رضا المشترك وقبوله.

وأخيرا لماذا تفرض مؤسسة البريد رسوماً مبالغاً فيها على المواطنين في الوقت الذي يعانون فيه من ارتفاع أسعار الخدمات والرسوم وغلاء المعيشة؟

تنويه: أعتذر للقراء الكرام عن الخطأ الذي وقع في عنوان مقال الأسبوع الماضي

حيث كتب (إقرارات مجلس الشورى...) والصواب (قرارات...)!