دليل القلوب
13-02-2008, 01:41 AM
إن الثقافة في عصر المعلومات صناعة قائمة بذاتها، ولم تعد مدينة إلى أحاديث الصالونات وسجال المنتديات ورؤى المقاعد الوثيرة وتكرار الجدل العقيم حول العموميات والأمور التي صارت في حكم البدهيات، من قبيل أصالة ومعاصرة، ثقافة النخبة وثقافة العامة، وتعريب التعليم
فقد أصبحت الثقافة هي محور عملية التنمية الاجتماعية الشاملة كما أصبحت تكنولوجيا المعلومات هي محور التنمية العلمية التكنولوجية، ومن ثم فإن تناول الموضوع يجب أن يكون مزدوجا (علاقته بالمعلومات) ومنظوميا (الرؤية الشبكية الشاملة للتنمية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية وتنمية الفكر والإبداع والتنمية التربوية ونظام المعتقدات والقيم والمحافظة على التراث والتي جعلتها المعلوماتية منهجا معتمدا)
إن الثقافة هي ما يبقى بعد زوال كل شيء، والمعلومات: هي المورد الإنساني الوحيد الذي لا يتناقص بل ينمو مع زيادة استهلاكه، والثقافة تصنع الموارد البشريه كما هي صنيعتها، والاستيعاب الثقافي للتقانة هو الأساس للتقدم والتنمية، لقد نجح الاقتصاد متضامنا مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة، وعولمة الاقتصاد تقود قافلة العولمة جارة وراءها عولمة الثقافة، فالتكنولوجيا في أحوال كثيرة أسرع من العلم، والعلم أسرع من الاقتصاد، والاقتصاد أسرع من السياسة، والسياسة أسرع من الثقافة، أي أنها (الثقافة) في ذيل القافلة، فهي ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها وتترسخ، ولكن السياسات وحركة الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والأسواق تتغير بسرعة.
وفي الازدواجية يجب أن يلاحظ عند الحديث عن الثقافة التسارع المذهل في الأفكار والنظريات كما يحدث تماما في تطور التقنية (أجهزة الهاتف النقال والكمبيوتر على سبيل المثال) فما يظهر مذهب فكري أو اجتماعي حتى يلحق به ما يناقضه أو مابعده، فثورة لينين تقضي عليها بريستوريكا جورباتشوف، وبنيوية الستينات تطيح بها التفكيكية وما بعد البنيوية، والحداثة تتجاوزها ما بعد الحداثة، ونجد مصطلحات ورموزا كثيرة تعبر عن هذا التسارع والنفي يمكن وصفها بـ "نهاية" و"ما بعد" ، نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الأيدولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة، أو ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت، ومنها مصطلحات النفي، مثل مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفون بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين.
وهي مصطلحات ليست عشوائية ولكنها ذات دلالة وتداعيات كثيرة وعميقة، فنهاية المدارس تعبر عن التعلم الذاتي ودور الإنترنت وشبكات الاتصال في التعليم وتعاظم دور الأسرة، ونهاية الوسطاء تعبر عن الدور الجديد لتقنية المعلومات والذي يلغي كثيرا من وظائف الخدمات كالحجز في الفنادق وخطوط الطيران وشراء العقارات والسيارات والكتب، . . وحتى الخاطبة. وهي تحولات تنقل التعليم من دائرة اليقين إلى الشك ومن المطلق إلى النسبية، يقول أحد علماء الاجتماع: لقد فقد العلم ثقة العلماء بعدما وثق به الناس، وهي مقولة ذكية تعبر عما نلاحظه بين العلماء من عودة إلى الطبيعة والبدايات في الحياة والعمارة والطب والغذاء في الوقت الذي يتجه فيه الناس إلى الوسائل الحديثة، وهو أمر كان معكوسا طوال القرون الماضية منذ بدأت نهضة الصناعة في القرن السابع عشر. ويقول إيليا بريغوغين الحائز على جائزة نوبل: إن القرن العشرين حول كوكبنا من عالم متناه من الحقائق اليقينية إلى عالم لا متناه من الشكوك.
وكانت هذه التحولات على درجة من الأهمية والعمق على درجة أنها جعلت الدراسات المستقبلية والتخطيط الإستراتيجي موضع شك وسخرية، حتى يكاد التنبؤ الوحيد الصحيح هو استحالة التنبؤ، فلم تكن آلة التسجيل هي آلة التعليم المثلى كما تصور مخترعها، ولم تقتصر استخدامات الكمبيوتر على الإحصاء كما توقع مهندسه الأول، ولم تقتصر مبيعاته على أربعة أجهزة سنويا كما توقع رئيس مجلس إدارة شركة I.B.M . . فهي إذن ثقافة المجهول والمغامرة والشك!
بقلم/د.نبيل علي
في كتابه / الثقافة العربية وعصر المعلومات
فقد أصبحت الثقافة هي محور عملية التنمية الاجتماعية الشاملة كما أصبحت تكنولوجيا المعلومات هي محور التنمية العلمية التكنولوجية، ومن ثم فإن تناول الموضوع يجب أن يكون مزدوجا (علاقته بالمعلومات) ومنظوميا (الرؤية الشبكية الشاملة للتنمية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية وتنمية الفكر والإبداع والتنمية التربوية ونظام المعتقدات والقيم والمحافظة على التراث والتي جعلتها المعلوماتية منهجا معتمدا)
إن الثقافة هي ما يبقى بعد زوال كل شيء، والمعلومات: هي المورد الإنساني الوحيد الذي لا يتناقص بل ينمو مع زيادة استهلاكه، والثقافة تصنع الموارد البشريه كما هي صنيعتها، والاستيعاب الثقافي للتقانة هو الأساس للتقدم والتنمية، لقد نجح الاقتصاد متضامنا مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة، وعولمة الاقتصاد تقود قافلة العولمة جارة وراءها عولمة الثقافة، فالتكنولوجيا في أحوال كثيرة أسرع من العلم، والعلم أسرع من الاقتصاد، والاقتصاد أسرع من السياسة، والسياسة أسرع من الثقافة، أي أنها (الثقافة) في ذيل القافلة، فهي ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها وتترسخ، ولكن السياسات وحركة الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والأسواق تتغير بسرعة.
وفي الازدواجية يجب أن يلاحظ عند الحديث عن الثقافة التسارع المذهل في الأفكار والنظريات كما يحدث تماما في تطور التقنية (أجهزة الهاتف النقال والكمبيوتر على سبيل المثال) فما يظهر مذهب فكري أو اجتماعي حتى يلحق به ما يناقضه أو مابعده، فثورة لينين تقضي عليها بريستوريكا جورباتشوف، وبنيوية الستينات تطيح بها التفكيكية وما بعد البنيوية، والحداثة تتجاوزها ما بعد الحداثة، ونجد مصطلحات ورموزا كثيرة تعبر عن هذا التسارع والنفي يمكن وصفها بـ "نهاية" و"ما بعد" ، نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الأيدولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة، أو ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت، ومنها مصطلحات النفي، مثل مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفون بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين.
وهي مصطلحات ليست عشوائية ولكنها ذات دلالة وتداعيات كثيرة وعميقة، فنهاية المدارس تعبر عن التعلم الذاتي ودور الإنترنت وشبكات الاتصال في التعليم وتعاظم دور الأسرة، ونهاية الوسطاء تعبر عن الدور الجديد لتقنية المعلومات والذي يلغي كثيرا من وظائف الخدمات كالحجز في الفنادق وخطوط الطيران وشراء العقارات والسيارات والكتب، . . وحتى الخاطبة. وهي تحولات تنقل التعليم من دائرة اليقين إلى الشك ومن المطلق إلى النسبية، يقول أحد علماء الاجتماع: لقد فقد العلم ثقة العلماء بعدما وثق به الناس، وهي مقولة ذكية تعبر عما نلاحظه بين العلماء من عودة إلى الطبيعة والبدايات في الحياة والعمارة والطب والغذاء في الوقت الذي يتجه فيه الناس إلى الوسائل الحديثة، وهو أمر كان معكوسا طوال القرون الماضية منذ بدأت نهضة الصناعة في القرن السابع عشر. ويقول إيليا بريغوغين الحائز على جائزة نوبل: إن القرن العشرين حول كوكبنا من عالم متناه من الحقائق اليقينية إلى عالم لا متناه من الشكوك.
وكانت هذه التحولات على درجة من الأهمية والعمق على درجة أنها جعلت الدراسات المستقبلية والتخطيط الإستراتيجي موضع شك وسخرية، حتى يكاد التنبؤ الوحيد الصحيح هو استحالة التنبؤ، فلم تكن آلة التسجيل هي آلة التعليم المثلى كما تصور مخترعها، ولم تقتصر استخدامات الكمبيوتر على الإحصاء كما توقع مهندسه الأول، ولم تقتصر مبيعاته على أربعة أجهزة سنويا كما توقع رئيس مجلس إدارة شركة I.B.M . . فهي إذن ثقافة المجهول والمغامرة والشك!
بقلم/د.نبيل علي
في كتابه / الثقافة العربية وعصر المعلومات